| ► | يناير 2012 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 |
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 |
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 |
| 28 | 29 | 30 | 31 | |||

حين تبهتُ قيمةُ الشيءِ في نفس الإنسانِ بسبب الإلفِ والاعتيادِ لا يعودُ الإنسانُ يتلقّاه بما هو أهل له من الحفاوةِ ، وقد فكرتُ مرة .. ما الذي يجعل الإنسان لا يحتفي بالأشياء الثمينةِ وهي بين يديه ؟
فوجدتُ ذلك يرجع إلى أمور :
أولها : ألا يكون عارفاً أصلاً بقيمتها، ولا مدركاً لنفاستِهِا .
ثانيها : أن يكون ذلك معلوماً عنده ، لكنه محبوسٌ في العقلِ ، لم ينزل إلى القلبِ حيث مستقرّ الشعورِ .
ثالثها : أن يكون عارفاً بقيمتِهِا ، مستشعراً لنفاستِهِا ولكنَّ أموراً أخرى تنازعُهُ مكانها في القلبِ ، وتجورُ على حصتِهِا من الأحاسيسِ .
وحين طبّقت هذا الذي أقوله على موقفنا من العشر الأول من ذي الحجةِ من كل عام وجدتُ مصداقَ ما ظننتُ ، ورأيتُ شواهدَ ما كنتُ فيه قد فكرتُ .
ووجدتُ أن العلةَ الحقيقية في انصرافِ أكثرنا عن الحفاوة بهذه العشرِ هي العلة الثانيةُ ، أعني : انحباسَ المعلوماتِ في العقلِ ، وعدم نزولها في القلبِ .
وقد قال أحد أجلّة شيوخنا مرةً : إنَّ التربية الإسلامية في حقيقتها هي عمل نسخةٍ من معارف العقل ونقلها إلى ذاكرة القلبِ ، ذلك أن جل الحلال والحرام معلومٌ في مجتمع كمجتمعنا ، ولكن المشكلة أن المعرفة العقلية ليست هي التي تدفع للعمل أو الترك .. القلبُ هو الذي يحركُ ، فإذا بقيت المعلومات في العقلِ منفكةً عن القلبِ لم ينشط المرءُ للصالحات ، ولم ينزجر عن السيئات .. فإذا أفلح في أن تتحول هذه المعلومات إلى معانٍ تستقر في القلب ويتحرك بها الوجدان فحينئذٍ يتحقق المأمولُ .
جرت السنين وقد مضى العمر والقلـب لا شــكر ولا ذكـــرُ
والغفـلة الصـماء شاهـرة سيفا به يتصــرم العمــــرُ
حـتى متى يا قلـب تغرق في لجج الهوى إن الهوى بحرُ
ها قد حباك اللـه مغفـــرة طرقــت رحابك هــذه العشرُ
وإن من أعجب العجب أننا ألفنا الحديث عن مواسم الفضائل وأوقات البركات حتى تبلدت أحاسيسنا ، و ربما كــان البعض - لكثرة ما يعرف عن العشر ويسمع أنه بإمكانه أن يدون في ذلك كتب ويقيم المحاضرات والندوات وغير ذلك من الأمور وكلها حديث ! فأي خير في كثرة الحديث إذن ؟
هل تحولت مواسم الخيرات وأيام البركات إلى مجرد مناسبات للحديث و استعراض المهارات البلاغية و القدرات العلمية ؟
إنّ كل ما آملُهُ ألا يكون حديثنا اليوم مندرجاً في هذا السياقِ !!
إنّني أؤمّل حقّاً أن يكون الحديثُ أشبَهَ شيءٍ بالمحفّزاتِ الكيمائيّةِ لا تضيف جديداً إلى المركّبِ ولكنّها تعجّلُ بتفاعلِهِ .
أعيروني إذن قلوبكم وأرواحكم … علَّ ذلكَ أن يهبَ الحديثَ روحاً من صفاءٍ تحملني وإياكم على أن نجدَ جديداً من المشاعرِ إذ نقرأ مكروراً من القول !
ولنحاول إذن في مقامنا هذا أن نجعل ما نعرفُهُ عن ( العشر الأوائل من ذي الحجةِ ) ينزلُ في مستقر الشعور .. مرحلة التفاعل .. وطور التطبيق .. ولعلي بك تسأل كيف ذلك ؟
حقيقةً لا أدري ..
ولكنني سأحاول بما أذكر من ترغيب وترهيب ، وأبين من معارف ولطائفَ أن ألامسَ مشاعر كل رجل منكم عله أن ينفخ فيما علم عقلُهُ من روح قلبِهِ فتنتفض المعاني لديه حيةً تؤزه إلى الصالحات أزاً ثم أعضد ذلك ببرنامج عملي لعله يكون حقل الزرع وإنتاج البذرة القوية التي تقف في وجه التيارات وإعصارات التي تأتي من هنا وهناك .
الله الذي خلق الإنسان ، أدرى بضعفه ، وأدرى بعجزه ، وبحاجته المستمرة إلى التذكر والتزود ، ومن ثم جعل له في أيام عامه نفحات ، وفي مواسم دهره وقفات ، يرجع منها بزاد من التقوى متجدد ، وبجذوة من الإيمان تتوقد .
ومن هذه المواسم الأيام العشرة الأولى من ذي الحجة .
خرج البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام ، يعني أيام العشر ، قالوا يارسول الله : ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء ) [ البخاري : 969 ] .
وهذا الحديث دليل على أن العمل في هذه الأيام أحب إلى الله من العمل في غيرها ، وإذا كان أحب إلى الله فهو أفضل عنده .
وفيه دلالة أيضا على أن العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره ، ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره .
ولكن هل المراد من هذا الحديث تفضيل كل عمل صالح وقع في هذه العشر على جميع ما يقع في غيرها وإن طالت مدته ؟
الظاهر أن كل عمل يقع في هذا العشر فهو أفضل من العمل في عشرة أيام سواها من أي شهر كان . فيكون تفضيلا للعمل في كل يوم من العشر على العمل في كل يوم من أيام السنة غيره .
ويشهد لذلك ما جاء في صحيح ابن حبان عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ( ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة ، فقال رجل : يارسول الله ، هن أفضل أم عدتهن جهادا في سبيل الله ؟ قال : هو أفضل من عدتهن جهادا في سبيل الله ) فلم يفضل العمل في العشر إلا على الجهاد في عدة أيام العشر لا مطلقا .
ولقد وقع الخلاف بين العلماء في المفاضلة بين عشر ذي الحجة والعشر الأواخر من رمضان ، ورأى شيخ الإسلام أن أيام العشر الأول خير من أيام عشر رمضان الأواخر ، وليالي العشر الأواخر من رمضان خير من ليالي العشر الأول من ذي الحجة ، ولعل مما يقوى هذا أن أفضل عشر ذي الحجة وهو يوم عرفة ينتهي بغروب الشمس ، على حين أن أفضل العشر الأواخر ليلة القدر ، وهي تن
وهذا المزاح الذي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فوائد عديدة من تطيب لنفس الصحابة ، وتوثيق للمحبة ، وزيادة في الألفة ، وتجديد للنشاط والمثابرة ، ويرشد إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده لو تداومون على ما تكونون عند









